عبد القادر الجيلاني

86

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

والتوفيق . قال اللّه تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : الآية 7 ] ، وإذا تركت النفس بطلب شهوة من شهواتها ولذة من لذاتها من القلب فأجابها القلب إلى مطلوبها ذلك من غير أمر من اللّه تعالى وإذن منه حصلت بذلك غفلة عن الحق تعالى وشرك ومعصية ، فعمهما اللّه تعالى بالخذلان والبلايا وتسليط الخلق ، والأوجاع والأمراض ، والإيذاء والتشويش ، فينال كل واحد من القلب والنفس حظ وإن لم يجب القلب والنفس إلى مطلوبها حتى يأتيه الإذن من قبل الحق عزّ وجلّ بإلهام في حق الأولياء ، ووحي صريح في حق المرسلين والأنبياء . عليهم الصلاة والسلام ، فعمل ذلك عطاء ومنعا ، وعمهما اللّه بالرحمة والبركة ، والعافية والرضا ، والنور والمعرفة ، والقرب والغنى والسلامة من الآفات ، والنصر على الأعداء ، فاعلم ذلك واحفظه ، واحذر البلاء جدّا في المسارعة إلى إجابة النفس والهوى ، بل توقف وترقب في ذلك إذن المولى جل جلاله ، فتسلم في الدنيا والعقبى إن شاء اللّه تعالى . المقالة الثالثة والعشرون في الرضاء بما قسم اللّه تعالى قال رضي اللّه عنه وأرضاه : ارض بالدون والزمه جدّا حتى يبلغ الكتاب أجله فتنقل إلى الأعلى والأنفس ، وبه تهنأ وفيه تبقى وتحفظ بلا عناء دنيا وأخرى ولا تبعة ولا عدوى ، ثم تترقى من ذلك إلى ما هو أقر عينا منه وأهنأ . واعلم أن القسم لا يفوتك بترك الطلب ، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب والجد والاجتهاد ، فاصبر والزم الحال وارض به ، لا تأخذ بك حتى تؤمر ، ولا تعط بك حتى تؤمر ولا تتحرك بك ولا تسكن بك ، فتبتلي بك وبمن هو شر منك من الخلق ، لأنك بذلك تظلم والظالم لا يغفل عنه . قال اللّه عزّ وجلّ : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [ الأنعام : الآية 129 ] لأنك في دار ملك عظيم أمره شديد وشوكته ، كثير جنده نافذة مشيئته قاهر حكمه باق ملكه دائم سلطانه دقيق علمه بالغة حكمته عدل قضاؤه . لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ سبأ : الآية 3 ] لا يجاوزه ظلم ظالم فأنت أعظمهم ظلما وأكبرهم جريمة ، لأنك أشركت بتصرفك فيك وفي خلقه عزّ وجلّ بهواك . قال اللّه تعالى : لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : الآية 13 ] . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النّساء : الآية 48 ] اتق الشرك جدّا ولا تقربه ، واجتنبه في حركاتك